منير سلطان
175
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
الجاهلي ، فأريد حسم أطماعهم ، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة ، وأن يشفعوا لهم ، وأن يغنوا عنهم من اللّه شيئا ، فكذلك جئ به على الطريق الآكد في لفظ ( المولود ) أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه ، لم تقبل شفاعته ، فضلا أن يشفع لمن فوقه من أجداده ، لأن « الولد » يقع على الولد وولد الولد ، بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك « 1 » . وفي تقديم الخبر على المبتدأ يشير الزمخشري إلى ما فيه من مزية وعرضها في آية ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ ) [ الحشر - 2 ] فان قلت : أىّ فرق بين وظنوا أن حصونهم « تمنعهم » أو « مانعتهم » وبين النظام الذي جاء عليه ؟ قلت : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ، ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما لأنّ واسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزّة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغازتهم ، وليس ذلك في قولك « وظنوا أن حصونهم تمنعهم » « 2 » . وتعرض لاستخدام التثنية وكيف تكون أبلغ وآكد في تقدير المعنى المراد « 3 » ويستوحى الجمال النفسي المعنوي في التعبير بلفظة التأنيث لبيان الضعف واللين والرخاوة « 4 » وفي زيادة النسب قوة للفعل المسندة إليه « 5 » . وفي التنكير حسن ، أشار إليه الزمخشري في الآية « لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » [ الحاقة - 12 ] فإن قلت : لم قيل أذن واعية على التوحيد والتنكير ؟ قلت : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلّة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم ، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللّه فهي السواد الأعظم عند اللّه ، وأن ما سواها لا يبالي باله ، وإن ملئوا ما بين الخافقين « 6 » .
--> ( 1 ) نفس المصدر - 2 / 199 . ( 2 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 445 . ( 3 ) نفس المصدر - 1 / 267 - آية « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » [ المائدة ، 64 ] . ( 4 ) انظر آية « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ » [ الزمر - 38 ] نفس المصدر 2 / 300 . ( 5 ) انظر آية « فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي » [ المؤمنون - 110 ] نفس المصدر 2 / 80 . ( 6 ) نفس المصدر 2 / 485 .